شاعر و باحث

تباين الأذواق حول قضايا الأدب الساخر، و اتساع رقعة هذا المفهوم، جعل طرح تعريفهعلی نحو جامع و مانع عملية صعبة مستصعبة. ولا نريد مناقشة صحة، أو خطأ التعاريف المتناثرة في الکتب و الدراسات، لکننا مضطرين من أجل الدخول في صلب البحث إلی الاتفاق علی تعاريف بعض الصنوف الأدبية. من هنا، ربما کان السبيل الأصوب هو تأسيس بحثنا علی أقوال مشهورة يقل الجدل بشأنها. النقطة الجديرة بالذکر هنا هي أننا من أجل تحاشي التفصيل و الشتات في البحث سنکتفي بتعريف الهزل(Facetiae)، و الهجاء(Lampoon)، و المطايبة(Wit)، والسخرية(Satir)، لأن هذه المفاهيم الأربعة هي الأبرز والأهم في مضمار الأدب الساخر.

الهزل

يأتي «الهزل» في الأدب الفارسي القديم مقابل «الجد». و لکل من المصطلحين ثقله القيمي. الجد کلام جدير بالتأمل و التدبر، و له معنی و مفهوم قيم، أما الهزل فکلام عبثي عديم القيمة لا يجدر بالتأمل، بل هو مفسدة للأخلاق و المعنويات. الميّزة الأبرز في الهزل ركاكة الألفاظ، أي استخدام مفردات تعدّ في عرف المجتمع مشينة و غير مرضية. و من الواضح جداً أن ركاكة اللفظ تستتبع ركاكة المعنی، إذ لا يمکن التعبير عن معانٍ قيمة و أخلاقية، أو عرفانية بمفردات بذيئة. کما اعتبروا الهزل لوناً من الترف و التسلية، حيث جنح الشعراء للهزل طلباً للتسلية والإمتاع، وإحياءً لمجالس اللهو و الطرب، لذلك نجد الکثير من الشعراء يبدون في سني شيخوختهم، أو بعد توبتهم ندماً شديداً علی نظمهم أشعار الهزل و يؤنبون أنفسهم علی ذلك. بالطبع لم يکن أمام بعض شعراء البلاط مفرّ من نظم الشعر الهزلي، حيث کانوا مضطرين أحياناً بأمر من الملوك آنذاك لنظم الشعر في موضوعات مستهجنة. سعدي الشيرازي أحد أشهر شعراء الفارسية و من أهم أساطين الأدب في إيران، خصص جزءاً صغيراً من ديوانه لأشعار الهزل، لکنه اعتذر عن ذلك في المقدمة بأنه نظم هزلياته هذه من باب امتثال الأوامر، و أنه يرجو من الله الصفح و الغفران.

مع ذلك، يجب في هذا المضمار استثناء اثنين من الشعراء الإيرانيين. الأول سنائي الغزنوي (القرن السادس الهجري) و الثاني جلال الدين محمد البلخي الرومي (القرن السابع). لقد أضفی هذان الشاعران علی الهزل طابعاً و مرتبة مختلفة. و قد کان نصيب سنائي أقل طبعاً من المولوي الذي أنتج هزليات لا يمکن بحال من الأحوال اعتبارها کلاماً فارغاً عبثياً. ظاهر کلامه هزلي لکنه مختلف تماماً من حيث المعنی و الغاية. ففي کتابه “مثنوي معنوي” و الذي يعد من الآثار العظيمة الرائعة في الأدب العرفاني، ثمة حکايات بذيئة سواء من حيث اللفظ أو من حيث المعنی، بيد أن النتيجة التي يستخلصها من هذه الحکايات تغيّر المواضيع تماماً و تمنحها مناخات مختلفة. المولوي نفسه يعتبر أشعاره الهزلية أشعاراً مختلفة المنحى و يُنبّه قرّاءه إلی أن لا يکتفوا بظاهر القضية، ولا يغفلوا المعنی الحقيقي للأبيات. يقول في بعض أشعاره:

–        الهزل تعليم فانظر له نظرة جد، و لا تحبس نفسك بظاهره الهزلي.

–        کل جدٍّ هزلٌ عند الهازلين، و الهزليات جدٌّ عند الهازلين.

و من الواضح تماماً أن ما نسميه اليوم هزلاً لا علاقة له مطلقاً بالهزل الذي يتحدث عنه المولوي.

الهجاء

يعبّئ شاعر الهجاء کل طاقاته للتخريب، و هدفه في غالب الأحيان أشخاص له مشکلاته و خصوماته معهم، لذلك يعتقد الکثيرون أن السمة الأعم للهجاء هي الدوافع الشخصية. طبعاً لوحظ أحياناً بعض الشعراء يهجون جماعة، أو فئة معينة من الناس، أو حتی حيواناً فمثلاً حصان حصل عليه الشاعر من شخص ما کصلة، غير أن الحالة الغالبة علی الهجويات هي استهداف الأشخاص دون الجماعات. الهجاء هو السبّ الأدبي الذي لا يمکن غالباً تصوّر حدود له، و يمکن اعتباره نوعاً من الانتقام، و بالطبع کان لهذا السنخ الأدبي استعمالات أخری حيث أمکن استخدامه کسلاح بوجه ظلم المتسلطين و جورهم. من أفضل نماذج الهجاء و أکثرها مروءة و تعففاً ذاك الذي نظمه الشاعر الملحمي الإيراني الکبير أبوالقاسم الفردوسي ضد سلطان زمانه محمود الغزنوي. لم يستخدم الشاعر في هذا الهجاء حتی کلمة بذيئة واحدة، لکن هذه الأبيات تعدّ بين الکم الهائل من الهجاء الفارسي في حکم “النادر کالمعدوم”. نقرأ أبياتاً من هذا الهجاء المعروف:

–       أيا سلطان محمود يا فاتح البلدان، خَفْ من الله إن لم تخف أحداً.

–       لو کنت عريق النسب و ابن سلاطين، لتوّجت رأسي بتاج من ذهب.

–       لمّا کان أصله بلا مفاخر، تراه لا يطيق سماع أسماء العظماء و مفاخرهم.

–       طلب الحاجة من غير أهلها، و تأمّل الخير منهم…

–       يستحيل؛ كتربية ذئب علی لبن شاة.

–       لا تأملنَّ شيئاً من غير محله، فالأسود لا ينقلب أبيض إذا غسلته.

–       ليست العظمة کلها بالکلام، مائتا قولٍ لا تعادل نصف فعل.

–       نظمت هذه الأبيات الرفيعة، ليستلهم الملك منها العبرة

و لا يعاود إيذاء الشعراء، و ليحفظ حرمته و يصنها

فالشاعر إذا سخط هجا، و هجاؤه يبقی إلی يوم القيامة.

السخرية

استخدم الشعراء الإيرانيون القدماء السخرية بنفس معناها العربي الذي يفيد الضحك علی الآخر، و النيل منه، و الاستهزاء به. مثلاً يقول الخاقاني في أبيات له: أنا أضعَف و أهزل من القمر في يومه الثلاثين، لکن أحداً يناديني – سخرية- أيها الشمس. بيد أن السخرية بالمعنی الذي نستخدمه اليوم مصطلح عصري. يکتب إيرج پزشکزاد- وهو من كتّاب الأدب الساخر في القرن العشرين- حول المنشأ العصري لهذه الکلمة: «مفردة السخرية بمعناها المعاصر تعود إلی عقد الأربعينات، و قد نحت بعض الأدباء المبرزين هذا المصطلح للتمييز بين السخرية و الهجاء المقذع البذيء الدارج في الصحافة. عمد عباس إقبال آشتياني في مجلة “ارمغان” و الدکتور پرويز ناتل خانلري في مجلة “سخن”، في معرض تعريفهم بالشاعر عبيد الزاکاني علی وجه الخصوص، إلی تعميم مفردة السخرية (طنز) تدريجياً کمعادل لمفردة (Satir) الغربية، و رويداً رويداً وقع المصطلح هذا موقع القبول في المجتمع.

يری جمهور النقاد و خبراء اللغة و الأدب في مقام المقارنة بين السخرية و الهزل و الهجاء، أن للسخرية قيمة و اعتباراً خاصاً. و يعتقد کثير منهم إلی أن هذا السنخ الأدبي يخلو من البذاءة و سخافة الألفاظ و المعاني، إنما يجنح فيه الأديب إلی التعبير عن مفاهيم رفيعة و قيمة. و يعتقدون أن للسخرية رسالة اجتماعية تتمثل أکثر ما تتمثل في إصلاح النواقص و المعايب التي يعانيها المجتمع.

المطايبة

المطايبة في اللغة بمعنی المزاح و الدعابة في الطبع. إنها ضرب من التلطف و الظرف. تستخدم غالباً في التعامل مع الأصدقاء و المعارف، و قد يکون هذا الصديق معشوق الأديب. عموماً ليس للمطايبة من هدف، أو غاية سوی الترويح عن الخواطر، أو طرح لفتة دقيقة. لم تسجل للمطايبة في الأدب الإيراني منزلةً مميزة، بل تُطرَقُ غالباً لغرض الترف و التندّر. و بطبيعة الحال، فإن هذا الموضوع يرتبط بمعنويات الشخص الفنان أيضاً. لبعض الشعراء بطبيعتهم ميول نحو المزاح و النادرة، و هي ميول قد تعبِّر عن نفسها أحياناً حتی في مدائحهم، أو أشعارهم الناقدة. و هکذا هو أنوري (المتوفى عام 547هـ) من کبار شعراء الفارسية و الضالعين في نظم(القصيدة) و هي قالب معروف من قوالب الشعر الفارسي يقول في رباعية يخاطب فيها الحبيب:

–        أدام الله کلامي في أذنكِ، و جعل قُوتِي من شفاهك المعسولة.

–        کيف تمسکين قدح الخمر المعتقة من دوني، فاخجلي و لكن هنيئاً مريئاً لكِ!

في البدء کانت السخرية    

يمکن منذ بدايات الشعر الإيراني، التماس نماذج لا تخلو من طابع ساخر. لاحظوا هذا التغزل الساخر لشاعر اسمه أبو سليك الجرجاني:

–        سرقتِ القلب مني برموشك، أنتِ بشفاهك قاضٍ و برموشك لص.

–        تريدين أجراً علی سرقتكِ قلبي؟! من ذا رأی عجباً كهذا،لص يطالب أجراً؟!

و لا أخال أن من اللازم إيضاح أن هذين البيتين العائدين لزمن الدولة الصفارية في إيران يندرجان ضمن فئة المطايبة حسب ما عرضناه من تعاريف. للأسف، لم يصلنا من تجارب الشعراء الإيرانيين في القرون الهجرية الأولی، سوی أبيات متناثرة، بل إن القسم الأکبر من ديوان شاعر کبير مثل رودکي الذي كان يعيش في بداية القرن الرابع الهجري، قد فُقد و لم يصلنا. علی أن تلك الأبيات المتناثرة ذاتها و خصوصاً الديوان الناقص لرودکي يدل علی وجود السخرية في الشعر الإيراني، رغم أن هذا الطابع الساخر لم يکن آنذاك واضحاً للعيان بنحو متبلور. من أشهر الأبيات التي حفظها الدهر لرودکي قصيدة نظمها عن “الأسنان”. قصيدة ظريفة و دعابية يغمرها الطابع الساخر و اللفتات الدقيقة:

–        تآكلت كل أسناني و تساقطت، لم تکن أسناناً، بل مصابيح مضيئة.

–        کانت صفاً من الفضة و الدرّ و المرجان، کانت نجوم الأسحار و قطرات المطر.

–        لم يبق منها واحد إذ تآكلت و سقطت کلها، يا له من طالع نحس إنه طالع زحل النحس .

كان رودکي شاعراً حکيماً، لذا فإن الأبيات الساخرة القليلة التي وصلتنا عنه تدعو قارئها إلی التأمل و التفکير. فهو يقول حول انقضاء العمر و حلول الشيخوخة:

–        لا أصبغ شعري أسود لکي أعود شاباً و أعاود ارتکاب المعاصي.

–        الناس يرتدون السواد عند المصائب، و أنا أصبغ شعري أسود لمصيبة الشيب.

و يقول في بيتين آخرين مخاطباً المرائين من الزهاد:

–        ما فائدة أن تولّي وجهك شطر المحراب، و قلبك هائم في بخارا و الفواتن الحسان.

–        ربنا يتقبل منك وساوس العشق و لا يتقبل الصلاة.

“منجيك الترمذي” من کبار الشعراء الإيرانيين في النصف الثاني من القرنالرابع الهجري، و كان مقرباً من البلاط . شاعر لم يصلنا عنه الکثير مما أنتج، إلا أن القليل الذي وصلنا منه مثير للإعجاب. قد أشار اليه “سوزني السمرقندي” أحد مشاهير الهجّائين الإيرانيين في ديوانه، و قد ذکر أيضاً في بعض التذاکر بوصفه شاعراً فحلاً . أشهر مقطوعة حفظها له الزمن تلك التي يتحدث فيها عن بخل أحد الأکابر من معاصريه. يقول في هذه المقطوعة إن الظفر برغيف من هذا الرجل العظيم أصعب من الحصول علی الکبريت الأحمر الذي يضرب المثل بندرته و صعوبة الحصول عليه:

–       طلب مني الحبيبُ أمس کبريتاً أحمر، و سأبقی أصفر الوجه من الخجل منه إذا لم أحصل عليه اليوم.

–       قلت: الحمد لله أنه طلب کبريتاً أحمر، و ما کنت سأفعل لو طلب مني رغيفاً من زاد الخواجة.

أما أشهر قمم الشعر الإيراني في بدايات ظهوره فهو الحکيم أبوالقاسم الفردوسي(في القرن الرابع الهجري) الذي اشتمل ديوانه علی نحو ستين ألف بيت، لکنه مع ذلك لم يجنح أبداً إلی الهزل و الهجاء، إنما دأب أن يصوّر طباع الأبطال الإيرانيين و خصالهم و امتداح سجاياهم و صدقهم و مروءاتهم. نقرأ في الشاهنامة أحياناً بعض الطعون و الهمز و اللمز يجري علی ألسنة الأبطال حسب مقتضی الحال، غير أن السخرية بالمعنی الذي سبق ذکره لا تکاد تلاحظ في نتاجه الشعري، باستثناء الأبيات التي خاطب بها السلطان محمود الغزنوي، و التي تعد اليوم من أنزه الهجاء و أعفه، بل و يمکن اعتبارها وثيقة تاريخية علی علوّ نفس الشاعر الحکيم و عزته و دنائة سلطان اشتهر بفتوح البلدان و سخاء اليد. و حيث أنا أشرنا في مستهل البحث إلی تلك الأبيات لا نری هنا ضرورة لتکرارها.

و عقب الفردوسي حظي الشعر الإيراني في القرن الخامس الهجري برمز متألق و شخصية ألمعية أخری.. إنه الحکيم ناصرخسرو القبادياني. شاعر متمرّس في النظم على “قالب القصيدة” و قد وقف عمره علی الدعوة لمعتقداته الدينية و إشاعتها، و وظف تمام شعره لصالح عقائده الدينية. کان من دعاة العقل و الحکمة و يميل في شعره کما في عقائده للجد و الانضباط إلی درجة تقترب من الشدة و العنف. لذلك قد لا يکون من المنطقي توقع العثور علی أبيات ساخرة في ديوانه. يعلن في إحدی قصائده رفضه الصريح للذين لا يفکرون إلا في الضحك و الإضحاك:

–       ما عساي أفعل مع جماعة تَضحك و تُضحك، طالما کنت لا أضحك و لا اُضحك.

–       الضحك وليد خفـّة العقل، أنّی لي أن أضحك و العقل يقبض علی تلابيبي بقوة.

–       ضحکتُ البارحة، ولا أزال اليوم کئيباً باکياً حزيناً أتساءل: ما الذي أضحکني البارحة؟

أيمکن توقع السخرية من شاعر يکتئب و يبکي لضحکة ليلة البارحة؟ کلا بلا ريب. لکن هذا الشاعر نفسه، حينما يعلن رفضه للمتهالکين علی الدنيا و عبّادها؛ يسجل لحظات ساخرة. و في الوقت نفسه، مغرقة في التفکير و الهمّ:

–       کان ناصرخسرو يمشي يوماً في الطريق ثملاً لا يعي شيئاً، لکنها ليست ثمالة المخمورين.

–       شاهد المقبرة و المرحاض أمامه، فهتف و قال: أيها الناس، يا أصحاب البصائر.

–       انظروا نعمة الدنيا و آکلي النعمة، هذه النعمة و هؤلاء آکلوها.

السخرية تحبو نحو الجد

الى هنا أشرنا باختصار الى منحى السخرية في القرون الأولى الى أيام حكم السلاجقة. طبعاً ينبغي علينا أن نضيف بأن هناك شعراء آخرون يمكن أن نصفهم بأن تطرقوا الى السخرية في آثارهم. “لبيبي” أحد شعراء نمط “القصائد” المعروفين في النصف الأول من القرن الخامس الهجري، و “كافرك غزنوي” من شعراء الهزل في أواخر القرن الخامس للهجرة، على أن بذاءة أشعارهما و عدم تميزها بشيء يذكر تمنع من الإتيان بشواهد و نماذج منها. و فيما يلي نحاول تسليط بعض الضوء على مشاهير الشعراء في العهد السلجوقي حتى مطلع العصر المغولي، الحقبة التي شهدت تألّق شعراء كبار و أحرزت فيها السخرية بكل أبعادها مكانة و منزلة خاصة. في خواتيم القرن الخامس و أوائل القرن السادس للهجرة ظهر في خراسان رجل اسمه “أبوالمجد مجدود بن آدم السنائي”، و اشتهر بعد ذلك باسم سنائي الغزنوي. استطاع هذا الشاعر الحكيم الذي يمكن اعتباره بكل جرأة الشاعر الإيراني الأكثر تأثيراً، استطاع تغيير مسار الشعر الإيراني تغييراً كلياً في أقصر مدّة من الزمن. لقد طرح  مشروعاً جديداً في قصائده و مزج بين الشريعة و العرفان و النقد الاجتماعي فأخرج خليطاً أثار الدهشة و الإعجاب بحق. بالطبع، كان الحكيم ناصر خسرو قد سار قبله في نفس هذا الطريق. و على مستوى الغزل، أرسى سنائي الغزنوي أسس الغزل العرفاني الصوفي، و في المثنوي مزج لأول مرّة بين الحكمة و الذوقيات و الأمثال. و استطاع بعد ذلك العارف الكبير جلال الدين المولوي الرومي باقتفاء خطى هذا الأسلوب الذي طرحه سنائي ليقدم للعالم ديوان شمس، و مثنوي معنوي. و الآن، ما هو موقع السخرية في أعمال سنائي؟

حيث أن الحكيم سنائي الغزنوي استخدم الشعر- على غرار مافعل الحكيم ناصر خسرو- وسيلة للتعبير عن معتقداته و مذهبه الديني، و نهج في شعره بصراحة طريق النقد الاجتماعي و السياسي، فهاجم في هذا السبيل العديد من الفئات و الجماعات التي اعتبرها منحرفة، لذلك كان الطابع الساخر لشعره واضحاً بدرجة كبيرة. ولا ننسى أن الكثيرين يعتقدون بأن الأدب الساخر يقوم على أساس النقد و يتوكأ عليه، لذا كان من الطبيعي بالنسبة لشاعر ينتقد الأشخاص و الفئات المختلفة دوماً، و لا يعدّ في الوقت ذاته غريباً على مناخ التصوف و الدروشة أن ينظم الشعر الساخر، و يكون على صلة بالظَرَف و طباع الشطار. تلاحظ في قصائد الحكيم سنائي الكثير من الطعون الصريحة و العبارات الجارحة و النقود الحادة المنفلتة. و يلوح أنه لم يسلم أحد من  سيف نقده البتار ابتداءً من الأمراء، مروراً بالفقهاء و الزهاد و الشعراء، وانتهاءً بالكسبة و التجار، تعرضوا كلهم لهجماته غير الآبهة. و قد سار على هذا النهج في مقطوعاته أيضاً. فنقرأ في إحدى مقطوعاته الجميلة:

–       جمع الخواجة لكنه لم يجمع سوى الأموال، و مشعّ وجهه و لكن من الألم.

–       كان مضيافاً و لكن في خان السفر، جاءني بخبزة و لكن مقابل درهم.

–       بسط يديه و لكن بالبخل، أطبق فمه و لكن عن قول نعم.

–       ملأ رأسه و لكن من الفضول، أفرغ قلبه و لكن من الكرم.

–       الخواجة متعب لكن من الفجور، و هو مشغول لكن ببطنه.

–       حريص جداً و لكن على الحرام، جواد حقاً لكن على الحريم.

–       فلتدم دولته لكن في الهباء، و لتدمْ نعمته، و لكن صوب الاضمحلال.

–       فليخلدْ لكن في سقر، و ليشبع من سقم.

في “حديقة الحقيقة”يقدم سنائي نمطاً جديداً من الهزل و الهجاء على نمط المثنوي. الهزل في حديقة الحقيقة ليس مجرد ركاكة ألفاظ، إنما هو حكايا قبيحة في ظاهرها تفضي إلى نتائج حكمية. إنه الأسلوب الذي ارتقى به المولوي بعد ذلك إلى الذروة في مثنوي معنوي. الهجاء أيضاً يكتسب شأناً مختلفاً في حديقة سنائي. إنه لا يأتي هذه المرة بدوافع شخصية و لغرض الانتقام فقط، إنما نجده يخوض الغمار لفضح المنافقين المتاجرين بالدين، و الزهاد المرائين، و سراق بيت المال، و القضاة المرتشين، و الحكام الظلمة، و حتى الأطباء عديمي المروءة، و يهوي على رؤوسهم بسنان الهجاء. يقول في جانب من حديقته واصفاً الدراويش المرائين:

–       و هؤلاء الجماعة الحديثو العهد بالنعمة، الذين خدعهم الجاه و الذهب و الفضة.

–       همّهم المزارع و النزوات و الأراضي، فأنّى يهتمون بالعقل و الشرع و الدين.

–       وجوههم مقمرة و عقولهم حالكة، لاهثون وراء الجاه متاجرون بالدين.

–       تركوا الأصل و اتبعوا الفرع ، و تذرعوا دوماً بالشرع.

–       كوثر في الجدل و أبتر في العلم، سِمانٌ في الكلام عجاف في الدين.

–       فارغون كلهم و بلا نور، تارة حسرات و تارة أكاذيب كلهم.

–       يتركون حسن الكلام، و يأخذون الشنيع.

يمكن ذكر الكثير من الشعراء الإيرانيين من القرن السادس للهجرة تابَعوا المنحى الساخر في شعرهم باهتمام أكبر. و للأسف، لا يتسنى في هذا المقال التحدث عن كل واحد منهم، و إلاّ فإن الأدب الساخر لدى شعراء من قبيل دهقان علي الشطرنجي،و مجير البيلقاني، و رشيد الوطواط، و ظهير الفاريابي، و ظهير الدين السرخسي يستدعي مزيداً من التدقيق و الدراسة. للأسف نحن مضطرون في هذا المقال الموجز لتجاوز هذه الأسماء التي لم تحظ بشهرة كبيرة في الشعر الفارسي، إذ لا بدّ من تركيز الاهتمام على المشاهير في هذا المضمار. من أعاجيب تاريخ الشعر الفارسي الشاعر الخاقاني الشرواني الذي ظهر في القرن السادس الهجري. شاعر معقّد الحبكة صعب الأشعار كتبت لحد الآن الكثير من الشروح لشعره. و يبدو أن هذه الصعوبة في النظم لا تصدق على كل ما نظمه. كان الخاقاني من أقطاب الشعر الفارسي في أنماط “القصيدة” و “الغزل” و “المقطوعات”، بيد أن ما ثبّت شهرته و خلوده بين أرباب الأدب الفارسي هو “قصائده” الفاخرة الرصينة. ترك الخاقاني آثاراً في المدح و الرثاء و الحكمة أغنت اللغة الفارسية بحق. مهارته في الكلام و تصريفه و إحاطته بعدة علوم في زمانه تعدُّ من أبرز ما يميزه. أما في سخريته فقد طرق موضوعين اثنين أكثر من سواهما. الأول أشعاره في الفخر، حيث يلوح حتى من شعره الجاد أنه كان كثير الاعتداد بعلمه و فضله و شاعريته، و دائم الانزعاج  من عدم معرفة الناس قدره و مكانته الحقيقيتين، فكان هذا الانزعاج في كثير من المواضيع غرض أشعاره و محتواها. و الثاني طعونه و نيله من زمانه الذي رفع الأنذال، و الفلك الدوار الذي يجلب على الأحرار كل المحن و العجائب. و يمكن اعتبار هذا الموضوع الثاني تفريعاً على الموضوع الأول. من أجمل أشعاره الساخرة حكاية طريفة يقول فيها إنه دخل يوماً إلى مجلس، و لما لم يكن أهل المجلس عارفين لقدره و منزلته فلم يوسِّعوا له واضطر للجلوس في أسفل المجلس، و حزن الخاقاني لذلك فنظم هذه الأبيات:

–       عجائبٌ فعل هذا العالم الوضيع، مآتمٌ كله و اسمه طرب.

–       حصان الجاهل فيه سبّاق في المضامير، و حصان العالم متأخرٌ إلى الوراء.

–       ما يفعل الخاقاني إن اضطر للجلوس أسفل المجلس، فزمانه عديم الأدب.

–       حتى “قل هو الله” في القرآن جاءت تحت تبت يدا أبي لهب .

تنطبع على شفاهنا ابتسامةً مرّة حين نقرأ أبيات الخاقاني هذه. إنه يؤثر في مستمعيه أشد التأثير و يحضّهم تلقائياً على التأمل و التفكير. و في أبيات أخرى يستخدم المثل الإيراني السائر: الجبل لا يلتقي الجبل، لكن الأنسان يلتقي الإنسان. و يعادله في العربية تقريباً أنا وراك و الزمن طويل، لينظم واحدة من أمرّ أشعاره و أشجاها:

–       لم أصدق أن الجبل يلتقي الجبل، و صدقت أن الإنسان يلتقي الإنسان.

–       كان جبلاً جسدي هذا و التقاه جبل الهموم. و أنا الإنسان فَلِم لم ألتق الإنسان؟!

إذا أردنا التفتيش في الشعر الإيراني القديم عن السخرية المرّة السوداء، فلا مراء أن الخاقاني سيكون أحد أبرز أعلام هذا النوع من السخرية. السخرية التي قد تطبع ابتسامة على شفاهنا لكنها تبعث في الوقت ذاته موجة عاتية من الألم والحزن والتدبر والتفكير إذا كان قارئها من ذوي الهموم و الأحزان. ينبغي اعتبار القرن السادس الهجري قرناً استثنائياً في الشعر الإيراني. الهزلي و الهجّاء الأكبر الذي شهده الشعر الإيراني والذي ذاع صيته في كل الآفاق بإستخدام العبارات الركيكة قُدِّر له أن يعيش في ذلك القرن. سوزني شاعر قدير في النظم على نمطي “القصائد” و “المقطوعات”، و لكنه وظّف قريحته أكثر ما وظفها في الهزل و الهجاء. و مع أن هزله و هجاءه يشيران الى شاعر فحل و أديب موهوب لكن نصيب السخرية فيهما قليل جداً. كان سوزني ميالاً للنظم في أغراض الهزل و الهجاء إلى درجة أنه جعل من نفسه عدة مرات موضوعاً لشعره هذا. يعنِّف نفسه في أبيات له على زواجه فيقول:

–       كنت رجل الرجال و لمّا تزوجت، غدوت من أجل إمرأتي، إمرأة إمرأتي!

–       أصفع بنفسي على رقبتي كل حين على هذا الخطأ الذي ارتكبته.

و في إحدى مقطوعاته يهدِّد ابنه بالهجاء في أبيات مليحة لا نجد فيها أثراً لركاكة التعبير:

–       يا سارق المديح و الهجاء من ديوان أبيك، تصوّرت أنك صرت فارس مضمار أبيك.

–       أنا رستم الشعر و أنت سهرابي، لن تنجو من خنجري يا حبيب أبيك.

كمال الدين اسماعيل الأصفهاني نجل جمال الدين عبدالرزاق الأصفهاني هو من شعراء القرن السادس الهجري أيضاً. و كان والد كمال الدين هو الآخر شاعراً قديراً شهيراً يجنح للسخرية في قصائده و مقطوعاته النقدية، غير أن كمال الدين تفوق على والده في الشاعرية و بلغ من المهارة في الأدب و تصريف الكلام درجةً لقّب بـ “خلاّق المعاني”. كان يقطن مدينة أصفهان عند هجوم المغول عليها سنة 633هـ و شهد المجازر و المذابح الهمجية المستعصية على الوصف لجيش المغول. و قد نظم إثر مشاهدته تلك الويلات و الفجائع رباعية ساخرة لكنها بالغة الحزن كتب لها البقاء بين آلاف الرباعيات الفارسية:

–       ما من أحدٍ يبكي على وطنه، و على الحال السيئة للناس السيئين.

–       بالأمس كان مائتا عويل على ميت واحد، و اليوم لا أحد يبكي على مائة ميّت.

يعبر ديوان كمال الدين عن ملامح شاعر أنفق قريحته مرات و مرات في مدح من هم دونه منزلةً و شأناً من أجل الحصول على قوت عيشه. و يبدو أن زمانه كان زمن قحط الوفاء و المروءة و الشعر. يقول هو نفسه في أبيات ساخرة جميلة يصف بها زمانه:

–       في عهود ماضية كنت آملُ أن أقرأ الشعر لمن يعطيني فضة.

–       لكنني ابتليت بعامِ قحط الفضائل، لو أردت شرحه لما استطعت.

–       لو عثرت على من يفهم الشعر، لكافأته بصلة حتى أقرأ عليه شعري.

إن بخل الحكام و إمساكهم في زمان كمال الدين كان الموضوع الرئيس لأشعاره الساخرة. و بالطبع فقد كان هذا الموضوع مطروقاً دائماً في الشعر الإيراني القديم، إذ كان معظم الشعراء مضطرين لإصابة قوتهم عن طريق قريحتهم الشعرية، و كان الحكام فقط على استعداد لإنفاق المال لقاء الشعر و الثناء و المديح الذي  ينظم فيهم. و من الطبيعي أن يلهج الشاعر بالمدح و الثناء إزاء الصلة التي يصله بها الحاكم، أو الأمير، و يلجأ إلى سلاح الهجاء حيال الإهمال و عدم البذل. في إحدى قصائده يشبّه كمال الدين الشعراء الذين لا يهجون بأسودٍ لا أنياب لها و لا مخالب. و يقول بعدها تبريراً للهجاء إن للممسكين و البخلاء داء لا يداويه غير الهجاء، و ليس أمامي مناص سوى التحدث بهذه الطريقة. و هذا بالطبع تبرير كل الشعراء الذين قد ينظمون الهجاء أحياناً. مولانا عبدالقادر بيدل الدهلوي الشاعر والعارف الكبير في اللغة الفارسية يدافع في أحد أبياته صراحة عن شتم جماعة يسميهم “بدرگ”فيقول:

–       لا يؤثر غير الشتم في مزاج البدرگيين إلا قليلاً، كيف أداوي جرح الكلب من دون لعاب الكلب؟

على كل حال يحتل كمال الدين إسماعيل مكانة خاصة في هجاء البخلاء، سواء من الناحية الكميّة، أو من الناحية النوعية، و تعدّ الكثير من هجوياته في عداد العيون من الأدب الإيراني الساخر. يسخر من أحد الأكابر في زمانه لأنه بخيل حسب ادعاء الشاعر:

–       بالأمس قال لي صديق إن لي حاجتين أو ثلاثاً عند الخواجة فلان.

–       لدي معه ما لا أستطيع قوله إلاّ له وحده.

–       لا بد لي من خلوة معه، لا يكون معه فيها أي من صحبه.

–       فقلت له إذا أردت مثل هذه الخلوة فلن تجدها إلاّ و هو يأكل.

و الطريف في الأمر أن أهاجيه التي نظمها في أشخاص معروفين محددي الشخصية ليس لها رصانة و جمال أهاجيه بحق المجهولين. عاش كمال الدين حياةً مريرة متعبة مما جعل شعره زاخراً بالهموم و الشكوى و كلامه قاطعاً كالسيف. و قد كانت نهايته مريرة هي الأخرى، إذ قتل سنة 635هـ على يد المغول.

أما ألمع وجوه الشعر الإيراني الساخر في القرن السادس فهو الحكيم أنوري الأبيوردي. شاعر رفيع المكانة يرقى به عبدالرحمن الجامي إلى درجات الفردوسي و سعدي و أمثالهما من أساطين الشعر الفارسي، و يعتبره بعض النقاد و علماء الأدب الفارسي أعظم شاعر في أسلوب “القصيدة” في تاريخ الشعر الإيراني. و للأسف كان هذا الشاعر الكبير الشهير المتضلع في الكثير من علوم زمانه ميالاً للهو و الملذات، ما جعله يجهل قدر نفسه و قيمتها الحقيقية و يوظّف قريحته الفذة في مواضيع لا تترك لشعره أهمية سوى الجانب التاريخي و الصناعات اللفظية. الشطر الأكبر من ديوانه مدائح لا نظير لها في المبالغة و التملق. و بالطبع كان هذا الشاعر واعياً تمام الوعي لحاله و حقيقته هذه، فكان من ناحية يعلم أنه يجب أن لا يهدر كلامه الفاخر على أعتاب المستبدين، و من ناحية أخرى كانت أهواؤه و نزواته الداخلية تحثه دوماً على التملق و الوقوف على أبواب الأقوياء. أحياناً كان صبره ينفد من نفسه المتمردة الوضيعة فينحو منحى التوبة و يسلك جادة الاستغفار، و لكن ما إن تمضي فترة من الزمن على ذلك حتى يعود أدراجه إلى سابق عهده طمعاً في ملذات الدنيا و رغائبها. عاش أنوري عمره كله متذبذباً بين الدناءة و الترفّع، و في شعره انعكاسات صادقة لأحواله النفسية و ما يعتمل داخل فؤاده. و مهما يكن، فقد سجّل لنفسه موقعاً خاصاً في الشعر الساخر، ابتداءً من الهزل و الهجاء و المطايبة حتى السخرية الراقية الفاخرة. كان أنوري شاعراً دمث الأخلاق أريحياً ذا دعابة، و يمكن ملاحظة طبعه المازح هذا في جميع أشعاره حتى حينما يشتكي و يتململ. يشكل الشعر الساخر حجماً ملحوظاً من ديوانه، و بعض منظوماته في الهزل و الهجاء تضاهي حتى أعمال سوزني السمرقندي في ركاكة اللفظ و المعنى، لكنه حتى في أشعاره هذه يستخدم المفردات والفنون الأدبية بمهارة و جزالة تجعلها نموذجاً يحتذى لباقي الشعراء والساخرين. حتى لو تجاهلنا هزل أنوري و هجاءه، سيبقى نصيبه من السخرية وافراً في الشعر الإيراني.

يمكن بكل ثقة اعتبار سخريته سخرية حكيمة عميقة الفكرة تبعث لدى المستمع راحة الخاطر و تدعوه في الوقت نفسه إلى التأمل. و نادراً ما تجتمع هاتين السمتين في الشعر الساخر، أو إذا اجتمعتا كان سهم إحداهما أكبر من الأخرى. خصوصاً في الشعر الساخر الذي نعتبره حكمياً يبدو نصيب الفكرة العميقة الباعثة على التدبر أكبر من الدعابة الداعية إلى البهجة و الاغتباط، و لكن في شعر الحكيم أنوري تتكافأ هاتان السمتان في الميزان، و يعدّ هذا ذروة النجاح لشاعر ساخر. يقول في مقطوعة حول عمرٍ قضاه باللهو و البطالة:

–       قال صاحبي: إصبر فالصبر سريعاً ما يحسّن حالك.

–       الماء الذي فارق النهر سيعود و يجعل الأمر أحسنَ مما كان.

–       قلت له: لو عاد الماء فما سينفع السمكة الميتة؟

و في مقطوعة أخرى يتناول المتاجرين بالدين ممن يتخذون كلام الله فخاً يمرِّرون به مقاصدهم و أنانيتهم:

–       شاهدت الرسول في المنام البارحة حزيناً ساخطاً على أمّـته.

–       قلتُ له: ما بك أيها العظيم؟ و ما الذي أذبل وردة روحك الطاهرة؟

–       قال: سخطي من هذا المقرئ الوضيع أهدر رونق الوحي و روحه.

–       ما يقرأوه هذا ال[…] لم ينزل به عليّ جبرئيل.

و لأنوري مطايبات كثيرة جديرة بالاطلاع يمكن تصنيفها ضمن أفضل المطايبات في الشعر الإيراني، يقول في مطايبة طويلة:

–       أيها الخواجة بلغت رفعتك حداً بحيث تسمع أصوات أهل السماوات.

–       لو كان عمرك طويلاً كقامتك، لعشتَ أنت و لمات ملك الموت.

و يقول ممازحاً طبيباً:

–       “مُقبلي” طبيب ينضح رأسه و وجه بالإدبار.

–       ذاك الذي ما وضع يده على نبضِ أحد إلاّ فرّت روحه من عروقه.

–       أينما جلس للطبِّ و المداواة تعالى هتاف الموت في تلك اللحظة.

–       ملك الموت يطحن دوماً الدواء الذي يمزجه هذا الطبيب.

لا يمكن التحدث عن السخرية الحكيمة دون التعريج على الحكيم عمر الخيام النيسابوري.. العالم و الرياضي الذي لم يصلنا منه سوى عدة رباعيات لكنها كانت كافية لشهرته العالمية. رباعياته في الحقيقة أسئلة أزلية- أبدية عن كنه الوجود، لم يجد الإنسان في أي حين من الأحيان إجابات واضحة و صريحة لها. يقف عمرالخيام موقف “الشاطر” الحقيقي ليسخر من كل المفاهيم المشذبّة المهذبّة للإنسان الجزمي، و ينظم غير آبه:

–       يقولون ستكون في الآخرة جنّة و الحور العين، ستكون ثمة خمرٌ خالصة و عسل.

–       فما الضير لو اتخذنا هنا خمراً و حبيبات؟ إذا كانت عاقبة الأمر هذه على كل حال!

ويعتقد أن أدعى الأشياء للسخرية و الضحك أن ينظر مخلوقٌ ترابي لنفسه باهتمام شديد:

–       قطرة من ماء كانتْ و لحقتْ بالبحر، ذرة من تراب كانتْ واتحدت بالأرض.

–       ما مجيئك إلى هذا العالم و ذهابك عنه ؟! ذبابة ظهرتْ فيه ثم غابت!

و أحياناً يستهزئ صراحةً بأهم معتقدات الإنسان التقليدي و أخطرها:

–       يقولون: جنة عدنٍ طيبةٌ بحورها العين، وأقول إن النبيذ هو الطيب.

–       خذ هذا العاجل و دع ذلك الآجل، فقرع الطبول مستطاب من بعيد [مثل إيراني].

ما ذكرناه باختصار في هذا المقال كان إطلالة سريعة على واقع الشعر الإيراني الساخر منذ بداياته حتى أواخر القرن السادس الهجري. و نتمنى أن تسنح لنا فرصة أخرى لمتابعة هذا السياق و التعريف بسائر الشعراء الساخرين في اللغة الفارسية.

 

Tinggalkan Balasan

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s

KIKI MALIKA PRIMADANI

Let's Around The World

LINGUA BLOG

Just Another Lingua Blog Wordpress.com

MADRASAH DINIYAH PLUS AL-MANSHUR

Madrasah Diniyah Plus Al-Manshur Pinggirsari Ponorogo

Protech Parabola ™

Biss Key | Forum Parabola | Sepak Bola | FTA | Liga Inggris | Liga Champions | Liga Spanyol | Liga Italia | IPM | Feed

sastrawan808

Penulis muda muslim, aktivis sosial, penggebrak perubahan menuju kesuksesan dunia dan akhirat

Catatan Dahlan Iskan

dahlaniskan.wordpress.com

Mr.Sahrul Santri

SaSatorial_SahrulSantriTutorial

Just in Write

Just be yourself

NoerDblog

Secangkir narasi alam

Lambangsarib's Blog

Catatan Orang Biasa

Life Fire

Man Jadda Wajada | Dreams will be achieved when we truly believe in our heart ˆ⌣ˆ

nimadesriandani

Balanced life, a journey for happiness site

Catatan Hidup

Jadikan semua kejadian sebagai pembelajaran hidup

Rindrianie's Blog

Just being me

Febriyan Lukito

sharing, caring and enriching life

AULIA FASYA

Daily Stories, Poem, Feeling, and You!

Matt on Not-WordPress

Stuff and things.

%d blogger menyukai ini: