الترادف “ما بين الاشتراك المعنوي التام و الاشتراك المعنوي المتقارب”

تحية طيبة عطرة للجميع ..،،

لطالما كانت مسألة الترادف و
اللاترادف محل اختلاف بين علماء و فقهاء اللغة العربية منذ القدم إلى يومنا هذا ،
فاضطربت آراء القدماء و توزعت ما بين مؤيد و معارض ، و تعود أسباب الاختلاف في
مسألة الترادف إلى ثلاثة أسباب :

الأول : عدم
الاتفاق بين الدارسين حول المقصود بالترادف.
الثاني
: اختلاف المناهج بين الدارسين و الباحثين في معالجة الترادف.
الثالث : اختلاف المناهج في تحديد معاني المفردات و
تعريفها.

و قبل البدء في التعريفات ، علينا أن نعلم بأن كلتا القضيتين
(الترادف و اللاترادف) معنيتان بمفهوم الاشتراك ، و الاشتراك نوعان :

أولهما قائم على اقتران مفردات عدّة بمعنى (اذا خـُيـِّل لهم أن المعنى
واحد ، فيسمى ترادف تام و اذا كان الاقتران جزئي فيسمى ترادف) ، و قد اشتهر بمفهوم
الترادف ، و مثاله : “بـَـصـُـرَ” و “نـَـظـَـرَ” و “رَمـَـقَ” و “لـَـحـَـظَ” ، و
“رَنـا” فهي مفردات يجمع بينها ، على تعددها ، معنى مشترك (الاشتراك
المعنوي)

و ثانيهما يقوم على اقتران معان عدة بكلمة واحدة ، و مثاله “عيْن”
فالكلمة تدل على حاسة البصر و مـُنـْـبـَـجـَـس الماء ، و معانٍ أخرى معاً قد تصل
إلى درجة النقيض – لأضداد- (الاشتراك اللفظي)

و نحن لسنا معنيين ببحثنا هذا
دراسة القسم الثاني من ظواهر الاشتراك (أي الاشتراك اللفظي و الأضداد و ما إلى ذلك)
لأنه موضوع آخر قد نفرد له بحث مستقل لاحقـاً، فما يهمنا هنا هو التركيز على الشق
الأول من أنواع الاشتراك ، ألا و هو الاشتراك المعنوي أو ما يسمونه بالترادف ، و من
هنا سنبدأ بتعريف الترادف التام (الترادف) و الترادف المتقارب الجزئي
(اللاترادف).

التعريفات

يعرف الدكتور متري سليم في كتابه
“أبحاث في الألسنية العربية” الترادف على أنه :

اشتراك دلالي لأن وجه
المشاركة فيه يتناول المعنى ، فالكلمات المتعددة تشارك في معنى واحد أو مفاهيم
متقاربة.

لاحظ عبارة “مفاهيم متقاربة” ! أليست
هذه العبارة بحد ذاتها تنفي الترادف المطلق ؟ ألا يعترف المــُـعـرِّف ضمنـاً بعدم
وقوع الترادف التام في اللغة حين ذكر كلمة “متقاربة” ؟ فالتقارب جزئي ، و ليس مطلق
ولا تام ! فلو أن الترادف يــُـقصد به فقط المعنى الموحـَّد للفظين ، لاستبعد
المؤلف عبارة “أو مفاهيم متقاربة”.

نأتي إلى التعريف الثاني للترادف
للدكتور محمد محمد داوود في كتابه “العربية و علم اللغة الحديث” فيقول :

“علاقة الترادف من أكثر العلاقات الدلالية وقوعـاً بين ألفاظ المجال
الدلالي ، نظراً لتشابه و تقارب كثير من الملامح الدلالية بين ألفاظ المجال الواحد
، مما يتيح لأفراد الجماعة اللغوية استخدام ألفاظ المجال الدلالي كمترادفات يحل
بعضهما مكان بعض”.

ثم يعقب الدكتور محمد داوود قائلا : عرّف القدماء الترادف
بأنه “الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد “

و يبدو أن
الدكتور محمد داوود يقصد بالقدماء “الفخر الرازي” ، بعد أن وجدت ذات التعريف حرفيا
للفخر الرازي في كتاب المزهر للسيوطي ، حيث يقول الرازي : “الترادف هو لألفاظ
المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد ، و احترزنا بالإفراد عن الاسم و الحد
فليسا مترادفين ، و بوحدة الاعتبار عن المتباينيين كالسيف و الصارم ، فإنهما دلا
على شيء واحد و لكن باعتبارين ، أحدهما على الذات و الآخر على الصفة”.

لاحظ
هنا كيف استعمل الدكتور محمد داوود في مقدمة تعريفه كلمات مثل “تشابه – تقارب
الملامح الدلالية” ، و عندما نقارن تعريفه بتعريف القدماء (الرازي الأشعري) الذي
ساقه حيث قالوا “شيء واحد – اعتبار واحد” نجد بأن الدكتور محمد داوود يميل إلى مبدأ
الترادف المتقارب (الذي هو اللاترادف بطبيعة الحال).

اللاترادف : و معناه
أنه لا يوجد كلمتين في اللغة العربية لهما نفس المعنى الموحد (التام) فكما يذكر
الدكتور أحمد مختار عمر في كتابه “علم الدلالة” نقلا عن F.H. George : (لو كانت
الكلمتان مترادفتان من جميع النواحي ، لما كان هناك سبب في وجود الكلمتين
معــاً) ، نعم قد يكون هناك مشترك بينهما ، و لكن لا بد أن يكون هناك فارق.
فالدكتور إبراهيم أنيس أيضـاً يقول في كتاب “دلالة الألفاظ ” :
(اذا دلــّـت
نصوص اللغة على أن بين الألفاظ المختلفة الصورة فروقا في الدلالة مهما كانت تلك
الفروق طفيفة ، لا يصح أن تعد من المترادفات ، لأن الترادف الحقيقي هو الاتحاد
التام في المعنى.)

و يؤكد ذلك العالم J. Lyons في كتابه: Languages and
Linguistics : “إن هناك فروقـاً دقيقة بين الكلمات التي يعتقد أن بينها ترادفـاً
تامــَّـاً و لكن قد يصعب ملاحظة هذه الاختلافات ، إذ إن معلومات الفرد منــَّـا عن
اللغة بعيدة عن مجال الفحص الدقيق”.

كما نجد العالم أولمان في كتابه “دور
الكلمة في اللغة” يقول في سياق حديثه عن المترادفات : ” و بالجملة يتبين لنا أن
معظم المترادفات ليست إلا أنصاف أو أشباه مترادفات”

و يقول Bloomfield في
كتابه Language: إننا ندعي أن كل كلمة من كلمات الترادف تؤدي معنى ثابتا مختلفـاً
عن الأخرى. و ما دامت الكلمات مختلفة صوتيـاً فلا بد أن تكون معانيتها مختلفة كذلك.
و على هذا فنحن في اختصار نرى أنه لا يوجد ترادف حقيقي.

و يقول Harris في
كتابه Synonymy : “إنه في إطار اللغة الواحدة لا يوجد ترادف. فالاختلاف الصوتي لا
بد أن يصحبه اختلاف في المعنى. فكل كلمة من الكلمات التالية : fast quick speedy
rapid swift تختلف عن الأخرى في بعض ملامح المعنى الأساسية أو الإضافية.

و
يقول مؤلفا Foundations of Linguistics : “يقول اللغويون المحدثون إنه لا يوجد
مترادف كامل باللغة ، فإذا اختلف لفظان صوتياً فلا بد أن يختلف دلاليا ، فاللفظان
buy و purchase متقاربان و لكنهما ليسا متطابقين ، و لذا لا يمكن تبادلهما بصورة
كاملة.

و يقول Lehrer في كتاب Semantic Fields : “اذا اشترطنا التماثل التام
بين المفردتين فلن يكون هناك مترادفات و لكن قد يكون هناك عدد من المفردات
المتشابهة إلى حد كبير في المعنى ، و يمكن تبادلهما بصورة جزئية”.

و يقول
Goodman في كتاب On Likeness : “لا يوجد لفظان يمكن أن يحل أحدهما محل الآخر دون
تغيير الدلالة الحقيقية ، و على هذا فلو ادعينا ترادف كلمتين فإن عدم إمكانية
تبادلهما في بعض السياقات يمكن أن يقدم الدليل على أن الكلمتين لا تحملان نفس
المعنى”

كما يؤكد ذلك Lappin عنه في كتاب Goodman and Katz : “اذا اشترطنا
في الترادف أن أي تعبيرين مترادفين يكونان قابلين للتبادل في كل السياقات فمن السهل
إثبات أنه لا يوجد تعبيران في أي لغة يمكن أن يكونا مترادفين”

و يقول skort
في كتاب Learning about Linguistics : ” كل الكلمات تملك تأثيراً عاطفيا ، كما تملك
تأثيراً إشاريـاً ، و لهذا فمن المستحيل أن تجد مترادفات كاملة”.

فالأصل في
الألفاظ أن يختص كل لفظ بمعنى معين ، بهذا جرت الكثرة الغالبة من ألفاظ اللغات في
العالم ، غير أننا نعرف أن أمور الحياة الدنيا متداخلة متشابكة ، نكوّن في مجموعها
نظاما متماسك الأطراف ، و لا غرابة إذن أن نرى معنى يقترب من آخر ، أو أن نرى جزءاً
من معنى يشترك في عدة ألفاظ. و مع ذلك تتجه معظم اللغات إلى تخصيص اللفظ بمعنى معين
يصبح له بمثابة العلامة متى طرقت السمع أثارت في الذهن دلالة معينة يشترك في فهمها
أفراد البيئة اللغوية.

ولا شك أن الألفاظ العربية في بدء نشأتها ، و لا ندري
متى كانت النشأة ، قد قصد بها أن يعبر كل لفظ عن معنى معين ، و أن تكون له دلالته
المستقلة. و مهما قيل عن نشأة الألفاظ في لغة الإنسان الأول ، لا نستطيع أن نتصور
أنها يمكن أن توجد في عصورنا التاريخية إلا حين تدعو الحاجة إليها ، بعد أن استقرت
اللغة الإنسانية، و أصبحت مهمتها الأساسية أن تتخذ وسيلة التفاهم بين أفراد
المجتمع.

أسباب نشوء ظاهرة الترادف و
مصادرها

حار اللغويّون في تعليل ظاهرة الترادف و إسنادها إلى
علة واحدة ، فمنهم من عزاها إلى تعدد اللهجات العربية التي كانت منتشرة بين القبائل
في أنحاء الجزيرة العربية ، و رأوا أن إطلاقهم أسماء مختلفة على مسمى واحد أدى إلى
وفرة الكلمات المترادفة بعد جمع اللغة العربية و تدوينها ، و عليه يكون تباين
الواضعين سببا في كثرة المترادفات الموضوعة.

و هناك من يحيل علة ظهور
الترادف إلى أن موسيقى الكلام قد شغلت أصحاب اللغة عن رعاية الفروق بين
الدلالات فأهملوها أو تناسوها فاختلطت الألفاظ بعضها
ببعض ، أو تراكمت في محيط واحد كسرب من النحل يجتمع في خلية واحدة. أي أن
الدلالة لم تصمد و لم تكن عصية لى التطور و التغير ، بل اقتصت من أطرافها فالتقت
الألفاظ المتعددة على المعنى الواحد. و هذا ما عبر عنه بعض القدماء بقولهم “فقدان
الوصفية” حين كان للسيف اسم واحد و له خمسون وصفـاً ، و لكل وصف دلالته المتميزة ،
كالهندي الذي عرف بنه سيف حاد رقيق في صلبه مرونة و كان يصنع في بلاد الهند ، و
اليماني الذي كان يصنع في بلاد اليمن مقوس النصل بعض التقويس و له فرند و نقوش ، و
المشرفي الذي كان يصنع في دمشق على شكل خاص متميز عن سابقيه … و هكذا.
و مع
هذا فحين استعمل عنترة أمثال هذه الأوصاف في شعره ، لا نكاد نلحظ تلك الفروق ،
فحرصه على موسيقى شعره و نظام قوافيه قد جعله يتناسى تلك الفروق ، و الشعر لا يعيبه
الترادف و لك في قصائد الشافعي أكبر مثال في ذلك ، و من هذا كله نرى أن العناية
بمسموع اللفظ قد أثر في كثير من الدلالات و أفقدها الدقة و الإحكام ، و الوقوف عند
حدودها الأولى ، بل لا نغالى حين نقول إن العناية بموسيقى الكلام قد سلب معظم
الدلالات تلك الدقة و ذلك الإحكام حتى في تلك الكلمات التي لها مدلول واحد و أصبحنا
نرى الشعراء يستعملون اللفظ في معنى يحوطه بعض الغموض ، فلا نكاد ندرك له حدوداً ،
مما يمكن أن يوصف معه بميوعة الدلالة أو عدم استقرارها.

و ثمة رأي آخر
يــُرجع المترادف إلى احتكاك العربية ، كفصيل من اللغات السامية ، باللغات السامية
الأخرى ، و بذلك يكون انتقال عدد من المفردات السامية باللغات السامية إلى العربية
، مع وجود نظائر لها في متن اللغة العربية سبباً في تفسير توافر
المترادفات.

و يضاف إلى الرافد السامي روافد أخرى أهمها اليوناني و
اللاتينيّ و الفارسيّ ، إذ انتقلت إلى العربية ، مباشرة أو بواسطة اللغة السريانية
و المترجمين و المؤلفين ، مفردات جديدة استقرت في معجم العربية لذيوعها في الناس
على الرغم من وجود نظائر عربية لها.

و ثمة سببان آخران لتعليل المترادف ، و
هما الانتحال و التوصيف ، فالرواة نحلوا الشعر ، و يــُرجــَّـح أن يكونوا قد وضعوا
بضع مفردات لها نظائر في العربية. و المدونون خطــُّوا اللغة فلا بد من أن يكونوا
حرفوا بضع مفردات فجاور المحرف المضبوط ، و بذلك صارا في عداد المترادفات ، إذ إنّ
معناهما واحد على اختلاف كتابتهما ، و إليكم التفصيل
حول أسباب و مصادر نشوء ظاهرة الترادف :

قضية الترادف حقيقة بأن تثير عددا
من الملاحظات المتصلة ببعض المسلمات أو المصادرات كالاقتصاد اللغوي ، و الفرق بين
الاسمية و الوصفية ، و العلاقات بين الاستعمالات القبلية المختلفة ، و حدود الحقيقة
و المجاز ..إلخ. و الذي يبدو في قضية الترادف أن متن اللغة يصدق عليه ما صدق على
المسموع ، فالنحاة لم يأخذوا عن قبيلة واحدة ، و إنما أخذوا عن مجموعة من القبائل
سموها قبائل الفصاحة. و إن كان الفارابي قد عد هذه القبائل أو بعضها ، فإن كل واحدة
منها كانت تضم عددا من البطون و العمائر و العشائر و الأحياء المتباعدة من حيث
الأماكن و المنازل و التي يغلب على الظن أنه كان بينها بعض الخلافات اللهجية
الضئيلة التي تتعلق بالقواعد أو بالمتن.
و حسبنا أن نعلم أن لغة “أكاوني
البراغيث” قد نسبها النحاة إلى فقعس و دبير ، و أن التلتلة قد نسبت إلى بهراء ، و
هي حي من تميم ، فهذا و نحوه يشير إلى ما نراه من احتمال الخلافات اللهجية بين
أحياء القبيلة الواحدة. و اذا صح ذلك بالنسبة للظواهر التركيبية التي عـُنـِي
النحاة بتسجيلها فهو أولى أن يكون صحيحا بالنسبة إلى المفردات ، فقد يختلف اللفظ من
حي إلى حي ، و يتحد المدلول عند الحيين جميعا ، حتى إذا ما ظفر الرواة باللفظين في
الحيين من أحياء القبيلة الواحدة ، سجلوهما للمعنى الواحد ،
دون أن يعنوا في الكثير من الحالات بالإشارة إلى الاختلاف في الاستعمال بين الحيين
، على نحو ما أشار السيوطي في كتابه “معترك الأقران” رواية عن أبي عبيد
القاسم بن ابن سلام. فحين رأى المتأخرون الكلمات المتعددة ترد على المعنى الواحد
دون إشارة إلى مصادرها ، جعلوها مترادفة ، كما لو كانت قد وردت مستعملة على لسان
المتكلم الواحد. فهذا “التساهل في العزو” يعتبر أحد
مصادر ظاهرة الترادف في اللغة العربية.

المصدر الثاني لظاهرة الترادف فيتمثل
في أن الرواة لم يهجروا المهجور ، و ربما أهملوا الإشارة إلى بعض المهجور بأنه من
المهجور ، فكانوا إذا ورد المهجور في شعر جاهلي أو نحوه احتفظوا به ، و قيدوه
ووضعوه موضع المستعمل ، فبقي في المعاجم مرادفا للمستعمل و لو من الناحية النظرية
فقط. و هكذا أشغل الدارسون به أنفسهم و جعلوه مظهراً من مظاهر الترادف.

و
المصدر الثالث أن اللفظ قد ترد عليه الحقيقة و المجاز ، لأن المعروف أن ألفاظ اللغة
متناهية ، و أن المعاني غير متناهية ، و من المحال أن تستطيع لغة ما أن تقدم لفظا
منفصلا لكل معنى يرد على الخاطر ، و لأن الذاكرة الإنسانية ذات طاقة تخزينية معينة
لا يمكنها من استيعاب مالا يقع تحت الحصر من الألفاظ. فإذا كان ذلك كذلك ، فلا بد
من التوسع في استعمال اللفظ بأن نجوز به معناه الحقيقي الذي كان له بأصل الوضع و
نستعمله بواسطة هذا “الجواز” أو “المجاز” (مصدر ميمي من جاز – يجوز) في معنى آخر ،
تطبيقـاً لفكرة الاقتصاد في الاستعمال اللغوي ، و أي اقتصاد أفضل من أن تعبر
بالقليل من الألفاظ عن الكثير من المعاني ؟ كل ما هنالك أن هذا المجاز مشروط دائما
بوجود العلاقة و القرينة. و هكذا يمكن للفظين أن يستعملا لمعنى واحد ، يكون لأحدهما
مستعملا على سبيل الحقيقة و الآخر على سبيل المجاز ، كما يمكن أن يكون كلاهما على
سبيل المجاز. فإذا اشتهر هذا المجاز على الألسنة لصق المجاز باللفظ، حتى صار
كالحقيقة فيه ، فإذا دل لفظ آخر بالحقيقة على هذا المعنى عدّ اللفظين مترادفين. و
من هذا القبيل أيضـاً أن يشتهر الوصف في الدلالة على الموصوف ، حتى يصبح دالا عليه
دون ذكر الموصوف ، كالبازل و اللبون ، و الهندواني ، و اليماني ، و الضرغام ، و
الجوارح ….إلخ.

و المصدر الرابع هو التوليد و التعريب الذي يحمل اللفظ
القديم و لكنه لا يميته فيظل المولد أو المعرب يستعمل على لسان طبقة من طبقات
المجتمع، و يظل اللفظ القديم يستعمل على ألسنة الطبقات الأخرى ، فلا يجد اللغوي
مفرا من اعتبار اللفظين : القديم و المولد مترادفين ، دون أن يعني بذكر الفروق
الاجتماعية في استعمالهما. و هذا شبيه بإهمال الفروق الجغرافية بين
اللهجتين.

و المصدر الخامس يعود إلى تاريخ الكتابة العربية التي كانت في
فترة من هذا التاريخ تسمح بالكثير من التصحيف الذي يؤدي بدوره إلى إيجاد الألفاظ
الجديدة التي تؤخذ بنفس معنى الكلمات القديمة فتصبح مرادفة لها. و يتضح هذا في
المترادفات التي يتحد رسمها و يختلف نقطها ، كما في “ناض” و “ناص” و كلاهما بمعنى
“تحرك”.

جدير بالذكر أن القائلين بالترادف (سواء التام أو المتقارب) قد
قسموا الترادف إلى قسمين : 1- الترادف الواقع بين العبارات و الجمل لا الكلمات
المفردة مثل : لم الشعث – رتق الفتق ، و عرفوه بأنه “إقامة لفظ مكان لفظ ، لمعانٍ
متقاربة يجمعها معنى واحد 2- التوارد : و يتحقق ذلك “حين تضع أكثر من اسم للذات
الواحدة و الشيء الواحد ، كأن تسمي الأسد بالسبع ، و الليث و الضرغام و نفهم من
الأمثلة أن التوارد عندهم يقابلها الترادف عند غيرهم.

للغويين من الترادف
موقفان متباينان ، فمنهم من أنكر وجوده ، و حاول من ثم دراسته انطلاقا من أوجه
الاختلاف بين المفردات المترادفة. و منهم من قال بأن هناك ترادف ، و لكنه غير تام ،
و منهم من أقر بوجوده التام و غالى في الأخذ به ، فعمد إلى تأويل المترادفات
تأويلاً يـُرجعها إلى معنى واحد ، عموما فالتصنيف الذي أورده الدكتور كمال بشر في
“تعليقاته على ترجمة كتاب دور الكلمة في اللغة” يـُظهــِر بوضوح و دقة موقف القدماء
تجاه قضية الترادف و الترادف التام و اللاترادف ، و سوف يسير البحث هنا على هدي ذلك
التقسيم :

1- فريق يؤمن بوجود الترادف و لكنه ترادف غير تام ، أي بمعنى
التقارب في المعنى و من هؤلاء “ابن فارس – 395 هــ” حيث يقول بعد ذكر عدد من
المترادفات “… على مذهبنا في أن كل واحدة منها ما ليس في صاحبتها من معنى و فائدة
” أي أنه يؤمن بالترادف و لكن على أساس أن لكل لونـاً معينا من المعنى ، أو على
الأقل فائدة أو وظيفة خاصة في الاستعمال”.
• ملاحظة : يذكرني ذلك بقول الأديب
الدكتور مصطفى محمود في كتاب (أسرار العالم) : “و لغتنا العربية غنية بالترادف ،
فتجد للأسد أسماء و صفات عديدة و لكن لكل اسم ظلالا و رنينا و إيقاعـاً ” ، فهو
تناقض ظريف ، حيث أن جملة “لكل اسم ظلال و رنين و إيقاع” بحد ذاتها تنفي وقوع
الترادف حيث تنفي مطابقة الألفاظ المعنية بصفات الأسد بعضها البعض مطابقة تامة ، و
لكن ربما أنه قصد الترادف المتقارب كما قصد ابن فارس و بالتالي لم يقع
بالتناقض.

كذلك “أبو سليمان الخطابي – 388 هــ” الذي يقول : “إن في الكلام
ألفاظــاً متقاربة المعنى يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب
، كالعلم و المعرفة ، و الحمد و الشكر ، و البخل و الشح ، و كالنعت و الصفة و قولك
: اقعد و اجلس و بلى و نعم ، و من و عن ، و نحوها من الأسماء و الأفعال و الحروف و
الصفات ، و الأمر فيها و في ترتيبها عند علماء اللغة بخلاف ذلك ، لأن لكل لفظة خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها و إن كانا
يشتركان في بعضها.

• ملاحظة : عندما فرق أبو سليمان بين العلم و
المعرفة ، ذكرني ذلك
بمقال لسماحة الشيخ العلامة البوطي يميز فيه بين العلم و
المعرفة حيث يقول: “العلم هو ‏إدراك الشيء على ما هو عليه بدليل‏. أمـّـا إدراك
الشيء على خلاف ما هو عليه‏،‏ فاسمه جهل مركب ، و الفرق الوحيد بين العلم والمعرفة
هو أن المعرفة تكون مسبوقة بجهل أما العلم فأعمّ من ذلك‏،‏ ومن ثم يوصف الله
بالعليم ولا يوصف بالعارف”. فالمـُـقــِـرّ بالترادف قد يطلق أسماء على الله تعالى
لا تليق بجلالته ، و من هنا تتضح أهمية القول باللاترادف.

2- فريق يؤمن
بوقوع الترادف مطلقـاً ، و يرون أن الترادف من أخص خصائص العربية ، و حجتهم في ذلك
أن أصحاب اللغة إذا أرادوا أن يفسروا اللب قالوا : “هو العقل أو الجـَـرْح ، قالوا
: هو الكسب أو السكب ، قالوا : هو الصب ، و هذا يدل على أن اللب و العقل عندهم سواء
، و كذلك الجرح و الكسب و السكب و الصب ، و ما أشبه ذلك.

أشهر القائلين
بالترادف من القدماء ( سواء المتقارب أو التام) :

ابن خالويه – 370 هــ :
ألف كتابا في أسماء الأسد و كتابا آخر في أسماء الحية.

الفيروز أبادي – 817
هــ : وضع كتابا أسماء “الروض المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف”.

أبي الحسن
بن عيسى الرماني – 384 هــ : عنوان الكتاب : “الألفاظ المترادفة و المتقاربة في
المعنى”

الفخر الرازي حيث يقول “و من الناس من أنكر الترادف ، و زعم أن كل
ما يظن من المترادفات فهو من المتباينات. إما لأن أحدهما اسم الذات ، و الآخر اسم
الصفة أو صفة الصفة و الكلام معهم إما في الجواز ولا شك فيه. أو الوقوع إما في
لغتين و هو أيضـاً معلوم بالضرورة ، أو من لغة واحدة كالحنطة و البر و القمح .. و
تعسفات الاشتقاقيين لا يشهد لها شبهة فضلا عن الحجة”
• ملاحظة كما أشرنا من أن
مثبتي الترادف كانوا فريقين ، فريق وسـّـع في مفهومه و لم يقيد حدوثه بأي قيود ، و
فريق آخر كان يقيد حدوث الترادف و يضع له شروطا تحد من كثرة وقوعه ، فالرازي يقع
ضمن الفريق الأخير الذي كان يرى قصر الترادف على ما يتطابق فيه المعنيان دون أدنى
تفاوت ، فالرازي لا يعتبر السيف و الصارم مترادفان ، لأن في الثانية زيادة في
المعنى.

الأصفهاني ، حيث كان يرى أن الترادف الحقيقي هو ما يوجد في اللهجة
الواحدة ، أما ما كان من لهجتين ، فليس من الترادف.

3- فريق ينكر وجود
الترادف في اللغة إنكارا تامـاً ، و على رأسهم ثعلب ، و من هؤلاء أبو علي الفارسي
الذي أنكره على ابن خالويه أن للسيف خمسين اسما و قال أبو علي “لا أعرف له إلا
اسماً واحداً” فقال ابن خالويه “و أين المهند و العضب و كذا و كذا ؟” فقال أبو علي
: ” هذه صفاته” ، و لا شك أن صفات السيف لها معان
مستقلة و مغايرة لاسم السيف ، و بالتالي لا يقع الترادف بينها.

و من أشهر
اللغويين المنكرين للترادف ابن الأعرابي – 231 هــ ، حيث يقول ” كل حرفين أوقعتهما
العرب على معنى واحد ، في كل واحد منهما معنى ليس في صاحبه ، ربما عرفناه فأخبرنا
به و ربما جهلناه فلم نلزم العرب جهله”.

و قد ألف أبو هلال العسكري كتابه
الشهير “الفروق اللغوية” لإثبات الفروق بين الألفاظ التي قيل بترادفها ، و يشير في
صدر كتابه إلى رأي المبرد في قوله تعالى “لكل جعلنا شرعة و منهاجا” أن الله تعالى
عطف المنهاج على الشرعة لأن الشرعة لأول الشيء ، و المنهاج لمعظمه و متعه ، و إن
الناظر في فهرس ذلك الكتاب (الفروق) و في صلب نصه ، ليرى من المفردات ما يبدو
للوهلة الأولى أن المتعدد منه يدل على مدلول واحد و لكن العسكري ما يزال يبدي له
الفروق في الدلالة حتى يتضح لك تراكيب المعاني و عدم تطابقها تطابقا تاما فلا تقع
في فهم الترادف كما لو كان مطلق التساوي.

ثم جاء بعد أبي هلال بعدة قرون
عالم آخر هو علي بن محمد الجرجاني ووجه كل عنايته إلى الفروق بين الدلالات في كتاب
سماه “التعريفات” ، و حاول فيه التحديد الدقيق لبعض الدلالات مثل قوله :
(البخل
هو المنع من مال نفسه ، و الشح هو بخل الرجل من مال غيره …. إلخ)

كما أن
كتاب “الكـلــيــّـات” لأبي البقاء الكفوي يحتوي على أمثلة كثيرة للفروق بين
الألفاظ التي تبدو مترادفة (من ذلك الفرق بين الإثم و الوزر ، و بين الذنب و
المعصية و الزلة ، و بين الجرم و الذنب و العصيان)

و ابن دَرَسْتَوَيْه
وجــّـه نقد للقائلين بالترادف ، و اتهمهم بأنهم جهلوا حقيقة الأمر ، فهو يرى أن الفروق في الدلالات بين المترادفات كان يعرفها العرب الأول و
يدركونها بسليقتهم و طبيعتهم السليمة ، و لكن هؤلاء القوم القائلين بوقوع
الترادف لم يستطيعوا فهم هذه الفروق و إدراكها فظنوا أن الكلمات متحدة المعنى و
نسبوا ذلك إلى العرب و هذا خلاف الواقع.

و قد ألف أبي عبيد المتوفي 224 هــ
كتاب “الأجناس من كلام العرب و ما اشتبه في اللفظ و اختلف في المعنى” ، و هو كتيب
صغير يشتمل على نحو 300 كلمة كلها مقتبسة من كتاب أبي عبيد نفسه المسمى بالغريب
المصنف ، و الذي لا يزال مخطوطا حتى الآن.

و تروي كتب التراجم أن للأصمعي
مؤلفا يسمى “ما اتفق لفظه و اختلف معناه” و لكن لا ندري أين هذا الكتاب
!

كما نجد أن أبو الحسين أحمد بن فارس يقف موقفـاً ضد الترادف التام فيقول
في كتابه “الصاحبي في فقه اللغة و سـُنن العرب في كلامها” :

“يسمى الشيئان
المختلفان بالاسمين المختلفين …، و ذلك أكثر الكلام كرجل و فرس. و تسمى الأشياء
الكثيرة بالإسم الواحد نحو “عين الماء و عين المال و عين السحاب. و يـُـسـَـمـّـى
الشيء الواحد بالأسماء المختلفة نحو : السيف و المهند و الحسام. و الذي نقوله في
هذا إن الاسم واحد هو السيف و ما بعده من الألقاب صفات. و مذهبنا أن كل صفة منها
فمعناها غيرُ معنى الأخرى. و قد خالف في ذلك قوم فزعموا أنها – و إن اختلفت
ألفاظها- فإنها ترجع إلى معنى واحد ، و ذلك قولنا : سيف و عضب و حسام ، و قال آخرون
: ليس منها اسم ولا صفة إلا و معناه غير معنى الآخر ، قالوا و كذلك الأفعال ، نحو :
مضى و ذهب و انطلق و قـعد و جلس و رقد و نام و هجع ، قالوا : ففي قعد معنى ليس في
جلس ، و كذلك القول فيما سواه ، و بهذا نقول ، و هو مذهب شيخنا أبي العباس أحمد بن
يحي ثعلب. و احتج أصحاب المقالة الأولى بأنه لو كان لكل لفظة معنى غير معنى الأخرى
لما أمكن أن يعبر عن شيء بغير عبارته ، و ذلك أنا نقول في لا ريب فيه : لا شك فيه ،
فلو كان الريب غير الشك لكانت هذه العبارة عن معنى الريب بالشك خطـأ ، فلما
عــُـبــِّـرَ عن هذا بهذا عـُـلــِـم أن المعنى واحد”
• ملاحظة : كنت قد قرأت
في كتاب لابن القيم الجوزية عبارة مفادها : “اعلم أن هناك فرق بين (ذلك الكتاب لا
ريب فيه) و بين (هذا القرآن لا شك فيه) و لو أن الله أراد أن يقول (هذا القرآن لا
شك فيه) لقالها ، و لكن الله دقيق الألفاظ فمن وراء كل كلمة معنى و
مقصد”

في نهاية البحث ، نود أن نشير إلى الأضرار الناجمة عن القول
بالترادف التام ، فهؤلاء الذين أسرفوا في الاعتزاز بالألفاظ المترادفة ظنا منهم
أنها مفخرة اللغة العربية (!!!) لم يكونوا يدركوا الأضرار المترتبة إزاء القول
بالترادف.

فالإقرار بوجود الترادف يـُـناقض مبدأ
النظام أي البنيان الذي وضعه مؤسس الألسنيـّـة العامة “فردينان دو سوسور”
حيث وضع هذ المبدأ في موضع رئيسي من النظرية اللغوية المعاصرة .
و البنيان يعني
– استناداً إلى رأي دو سوسور – مجموعة العلاقات التي تحدد دلالة المفردات اللغوية
بتضادها و اختلافها ، و لذلك فإن لكل مفردة تصدر عن تضادها و سائر المفردات الأخرى.
و مبدأ العلاقة في تصوّر دو سوسور قائم على وجود تشابه من جهة و اختلاف من جهة
أخرى.

كما أن السؤال الذي تطرحه الألسنية البنيانية هو : هل المترادفات
تتضمن حقــاً دلالة واحدة أو معنى واحداً ؟

و تجيب الألسنية البنيانيــّـة
عنه بالنفي، مؤكدة أن لا وجود للمترادفات الحقيقية في اللغة ، مما يوقع القائلين
بالمترادفات بمأزق لا يخرجون منه إلا بإنكار العلوم الألسنية و ما تحمله من نتائج،
حيث أن الأبحاث البنيانية جميعا – فيما يختص بالمترادفات- تسعى إلى إبراز ما يميز
مترادفا من آخر ، و إنها تركـز على أوجه الاختلاف بين المترادفات لا على أوجه
التشابه ، جريــاً مع تحديد دو سوسور لصفات الرمز ، و جعله حد الرمز الخلافي أولى
ميزاته إذ إن للرمز في رأيه قيمة خلافيــّـة ، فإما أن يكون و إما أن لا يكون ،
فوجوده يعني أنه قائم بنفسه ، متميز من الرموز اللغوية الأخرى جميعها و مختلف
عنها.

و للباحثيين البنانيّين طرائق في معالجة الرموز المترادفة تقوم على
مباديء ثلاثة : أولها المراتبية و ثانيها العـُـقــَـديــّـة ، و ثالثها مستوى
اللغة.

فإذا جمعنا عدداً من الرموز المترادفة المنتسبة إلى مرتبة واحدة و
قارناها ببعضها البعض بغية استخراج الميزة الخاصة بكل منها ، وضحت لنا طرائق
الباحثين البناييّن في معالجة المترادفات.

مثال ذلك تسمية موضع الإقامة
“داراً” و “منزلا” و “مسكنـاً” و “بيتـاً” فهذه المفردات تنتمي جميعها إلى مرتبة
الأسماء و تدل على معنى متقارب ، إلا أن لكل منها ميزة خاصة به ، فالدار سميت داراً
باعتبار كونها مستديرة في الأصل ، و المنزل كونه مكان النزول بالنسبة لأهل البادية
أو المسافر و المسكن كونه موضعا للسكينة و الاطمئنان ، و البيت كونه مكانا للبيتوتة
أو المبيت ، و من هذا القبيل سمية الكتاب كتابا و مؤلفا و مجلداً و أثراً و كذلك
الصديق و العشير و الأنيس و الرفيق و النديم بحسب تعدد الاعتبارات. ( للاستفاضة في
ذلك راجع فقه اللغة و خصائص العربية – محمد المبارك)

و قد تنبه لهذا الأمر
أحمد بن فارس حين قال : “و نحن نقول إن في قــَـعــَـد معنىً ليس في جــَـلــَـس ،
ألا ترى أنا نقول قام ثم قــَـعــَـد …، ثم نقول كان مضطجعـاَ ثم جلس. فيكون
القيام عن قعود و يكون الجلوس عن حالة هي دون الجلوس ، لأن الجلـْـس المرتفع.
فالجلوس ارتفاعٌ عما دونه. و على هذا يجري الباب كله ، من ذلك المائدة لا يقال لها
مائدة حتى يكون عليها طعام ، لأن المائدة من مادني يميدني إذا أعطاك ، و إلا فاسمها
خِوان. و كذلك الكأس لا تكون كـأسـاً حتى يكون فيها شراب ، و إلا فهو قدح أو كوب ،
و من ذلك القلم لا يكون قلماً إلا و قد بــُـرِي و أُصلـِـح ، و إلا فهو أنبوبة ، و
من ذلك الكوب لا يكون إلا بلا عـُـروة و الكوز لا يكون إلا بـُـعروة.

كما من
أضرار القول بالترادف هو الفوضى اللغوية، حيث أن من شروط الترادف هو استطاعتنا
إحلال الكلمتين المترادفتين إحداهما مكان الأخرى في جميع السياقات ، و هذا الأمر
يكاد يقارب الاستحالة ، فالكلمتان “وفاة” و “موت” التي يعتقد الكثير بأنها من
المترادفات ، لا نستطيع إحلالهما مكان الآخر عند القول بوثيقة وفاة مثلا ، فلا يمكن
القول بوثيقة موت !

و لكن هناك من تجاوز ذلك و أحدث فوضى لغوية نتجت عنه
أخطاء شائعة دفعت المصلحين و الباحثين إلى تأليف مجلدات لتصحيح الأخطاء الشائعة
التي ترتبت على القول بالترادف ، و حسبك في ذلك أن تنظر في كتاب “معجم الخطأ و
الصواب” لمؤلفه إيميل يعقوب الدكتور محمد العدناني – أستاذ فقه اللغة العربية في
الجامعة اللبنانية-. ، أو أن تقرأ في صفحات كتاب “معجم الأخطاء الشائعة” لمؤلفه
محمد العدناني – عضو شرف في مجمع اللغة العربية الأردني- ، حيث تجد أن معظم جهودهم
ذهبت في محاولاتهم لتصحيح الأخطاء الناجمة عن استخدام ألفاظ لها دلالات معينة و
خاصة اختلطت في أذهان البشر على أنها مترادفات ، و تصويبهم لإرجاع المعنى الحقيقي
للفظ و إعطاءه الدلالة الأصلية له.

الحريصون على تجميع الألفاظ المترادفة ،
تجدهم و قد تجاهلوا تطور الدلالة فيها ، و خلطوا بين عصور اللغة ، و لذا جمعوا بين
لفظ عرفت له دلالة جاهلية قديمة و آخر اشتهر بدلالة إسلامية حديثة ، و جعلوا من
اللفظين سنوين و قرينين ! و هذا خلط ما بعده خلط ينتج عنه ضرر جديد يعرقل الباحث عن
أصول المعاني في مسيرته للتفريق بين دلالات الألفاظ.

فمثال ذلك ، تجد في
كتاب أبو الحسن الرماني (الألفاظ المترادفة) قد عقد نحو 142 فصلا و خصص كل فصل
لإحدى الدلالات ثم سرد في كل فصل الألفاظ التي تعبر عن دلالته ، فتراوحت تلك
الألفاظ بين ثلاث كلمات مترادفة في فصل ، و نحو إحدى و عشرين كلمة مترادفة في فصل
آخر ، و لا يكاد الدارس يستعرض ألفاظ الكتاب حتى يتبين أن كثيراً منها لا يمت إلى
الترادف بصلة ! بل و لا يمت إلى الترادف المتقارب بأي صلة !

فإذا استعرضنا
أمثلة من الكتاب ، لترى الشطط و المغالاة بعينها كقوله :

وصلته ، رفدته ،
حبوته ، أعطيته ، رشيته .. فالغريب المضحك هو أن رشيته
في رأي الرماني تعبر عن الصلة و العطية !!!

كما أن إصرار البعض على
مبالغتهم و غلوهم لإثبات ما يسمى بالترادف التام ، لهو بمثابة إقرار ضمني باتهام
اللغة العربية بالإسراف و مجافاة الاقتصاد ، فيقول J. Lyons في كتاب Semantics
:
الثروة اللفظية للغة ما تتمايز في إطار الفروق الأكثر
خصوصية
فهذا يضع الجاعلين من الترادف مظهراً مظاهر الغنى موضع
العمل على إفلاسها من حيث لا يشعرون.

عموما ، فقد بينـا خطورة القول
بالترادف بالنسبة إلى اللغة العربية فحسب ، و ما يترتب على ذلك من أضرار معرفية و
علمية ، فما بالك لو تم تطبيق الترادف على القرآن ، و حيث أن المقام لا يسعنا
لتوضيح التشابك و الخلط الذي سينتج في حال طبقنا الترادف على اللسان القرآني ،
فسأحيل كل من يهمه الاستفاضة و التوسع في ذلك الأمر إلى تحميل كتاب ” إبطال
المترادفات” و كتاب “الحل القصدي في مواجهة الاعتباطية” لمؤلفهم السيد عالم سبيط

Tinggalkan Balasan

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s

KIKI MALIKA PRIMADANI

Let's Around The World

LINGUA BLOG

Just Another Lingua Blog Wordpress.com

MADRASAH DINIYAH PLUS AL-MANSHUR

Madrasah Diniyah Plus Al-Manshur Pinggirsari Ponorogo

Protech Parabola ™

Biss Key | Forum Parabola | Sepak Bola | FTA | Liga Inggris | Liga Champions | Liga Spanyol | Liga Italia | IPM | Feed

sastrawan808

Penulis muda muslim, aktivis sosial, penggebrak perubahan menuju kesuksesan dunia dan akhirat

Catatan Dahlan Iskan

dahlaniskan.wordpress.com

Mr.Sahrul Santri

SaSatorial_SahrulSantriTutorial

Just in Write

Just be yourself

NoerDblog

Secangkir narasi alam

Lambangsarib's Blog

Catatan Orang Biasa

Life Fire

Man Jadda Wajada | Dreams will be achieved when we truly believe in our heart ˆ⌣ˆ

nimadesriandani

Balanced life, a journey for happiness site

Catatan Hidup

Jadikan semua kejadian sebagai pembelajaran hidup

Rindrianie's Blog

Just being me

Febriyan Lukito

sharing, caring and enriching life

AULIA FASYA

Daily Stories, Poem, Feeling, and You!

Matt on Not-WordPress

Stuff and things.

%d blogger menyukai ini: